الشيخ محمد علي طه الدرة

190

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وسلمان الفارسي ، فمنهم من أدرك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنهم من لم يدركه ، فكأنه تعالى قال : إنّ الذين آمنوا قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والذين كانوا على الدّين الباطل المبدل من اليهود ، والنصارى ، والصابئين من آمن منهم باللّه واليوم الآخر ، وبمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فلهم أجرهم عند ربهم . وأمّا الطريقة الثانية : فقالوا : إنّ المذكورين بالإيمان في أوّل الآية إنّما هو على طريقة المجاز دون الحقيقة ، وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ، ولم يؤمنوا بك . وقيل : هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ، ولم يؤمنوا بقلوبهم ، واليهود ، والنصارى ، والصابئين ، فكأنه تعالى قال : هؤلاء المطلوبون كلّ من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمنا عند اللّه . انتهى . خازن . هذا وفي عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها إيحاء بأنّ العمل الصالح قرين الإيمان ، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل ، وهو ما أفاده قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان والعمل قرينان ، لا يقبل اللّه أحدهما بدون صاحبه » . كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح ، وهذا يسمّى في فن البديع احتراسا . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب : إِنَّ : حرف مشبه بالفعل . الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها . آمَنُوا : فعل ماض مبني على الضم ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها . وَالَّذِينَ هادُوا : معطوف على ما قبله ، وهو مثله في إعرابه . وَالنَّصارى : معطوف على اسم إِنَّ منصوب مثله ، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر . وَالصَّابِئِينَ : معطوف على اسم إِنَّ أيضا منصوب ، وعلامة نصبه الياء . . . إلخ . مَنْ : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . آمَنَ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، والفاعل يعود إلى مَنْ تقديره : هو ، وهناك محذوف تقديره : منهم . بِاللَّهِ : متعلقان بما قبلهما . وَالْيَوْمِ : معطوف على لفظ الجلالة . الْآخِرِ صفته . وَعَمِلَ صالِحاً : هذه الجملة معطوفة على ما قبلها . فَلَهُمْ : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( لهم ) : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم . أَجْرُهُمْ : مبتدأ مؤخر ، والهاء في محل جر بالإضافة . عِنْدَ : ظرف مكان متعلق ب أَجْرُهُمْ لأنه مصدر . وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ ، والتقدير : فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم . وهو غير مسلّم له ؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النّحاة ، وعلى رأسهم سيبويه ؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل ، أو المفعول ، و عِنْدَ مضاف ، و رَبِّهِمْ مضاف إليه ، والهاء في محل جر بالإضافة ، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، والجملة الاسمية : ( لهم أجرهم ) في محل جزم جواب الشرط . وخبر المبتدأ الذي هو مَنْ مختلف فيه . فقيل : هو جملة الشرط ، وقيل : هو جملة الجواب . وقيل : هو الجملتان ، وهو المرجّح لدى المعاصرين . هذا ؛ وإن اعتبرت مَنْ اسما موصولا ، فهي مبتدأ ، وجملة : آمَنَ صلته ، والعائد محذوف ، التقدير : من آمن منهم . . . إلخ ، والجملة الاسمية : ( لهم أجرهم ) في محل رفع خبره ،